2014-05-10

أقرب مسافة مُمكنة..

 

أمتلك الآن مخزوناً كافياً من أجنحة رحاب وذراتها الصغيرة الملوّنة، أذاكر قليلاً رغم أني لا أضيع الكثير من الوقت، أذاكر ببطء ربما، ببرود غالباً، لا أكترث إن كان الإمتحان غداً أو بعد غد، منذ متى أقلقني امتحان أصلاً؟ لا أذكر.
أفتح نافذة إلكترونية على "حواديت" وأخرى على "خفّة" كي لا تبتلعني المذاكرة وتجرّني جرّاً إلى الملل والإكتئاب، بلال ورحاب يمتلكون مساحاتٍ رحبة، تساعدني على تجاوز الوقت الذي ينقضي دون فائدة تُذكر.

أرى صورةً مُبهجة لبلالين كثيرة ملوّنة، فأبتسم، سأشتري الكثير من البلالين وأهديها لنفسي في عيد ميلادي القادم، اثنان وعشرون بالونة على وجه الدقة، احتفالاً بمرور كل ذلك الوقت على وجود اسمي حتى الآن مسجلاً على قيد الحياة، في صف البشريين، كوكب الأرض، مصر، الدور التاني، جنب النجيلة الخضرا اللي هناك دي. 

توفّى خالي الأسبوع الماضي، ولا زلت حتى الآن أصاب بالتباسات روحية، إذ أشعر للحظة أنه قريب، يربت على كتفي، يحتضنني، يضحك كعادته، تنطبع ملامحه بداخلي فجأة فأكاد ألمس طيفه، ثم يتلاشى مسرعاً، فأصاب بخيبة صغيرة، ثم أطيب خاطري مدعيةُ بأنه مستعجل، والعائلة كبيرة، لازم يلحق يعدّي علينا كلنا قبل المغرب، فالأرواح الطيبة لا يمكنها الطيران ليلاً.
منذ يومين، افترشت الأرض أنا وابنته أمام حقلٍ واسعٍ من الزرع الأخضر والزهور البيضاء الصغيرة، تحدثنا كثيراً، ثم نظرت فجأة إلى السماء ولوّحت له، ابتسمتُ، وأشرت إليها أن تنظر إلى الأعلى وتسلم عليه، فابتسمت، شردت قليلاً ثم استكملنا الحكي والضحك. 
من بين كُل موتاي، كان الأكثر استحقاقاً للحُب.

لم أبكِ إلا ليلةَ وفاته، كما لم أبكِ على جدتي أبداً، لديّ مشكلة حين يتعلق الأمر بالحزن على فقيدٍ ما، فأعتبر البُكاء اعترافاً برحيله، بغيابه المؤكد والنهائيّ، فيصعب عليّ تقبل تلك الحقائق كلّها بينما لا تزال رائحته تملأ أنفي، ولا تزال ملابسه وأشياءه وأدويته الطبية مختزنةً بقايا جسده، أكره أن أبكي بينما لا يزال وجهه محفوظٌ بعنايةٍ في الذاكرة، وقطع صغيرةً منه لا تزال تمشي على الأرض، وتتنفس.
لذلك ربما لن أبكِ على أحد، فقط سأصاب بجزعٍ حين أجد مكانه خالياً منه، فأظل في مكانِه لساعاتٍ أرصد ما بقي من التفاصيل، وأخرج ممتلئة به، دون رغبةً في فقدانه، فعلاً.
 تماماً كما ستفعل رحاب، ستوصيهم بألا يحزنوا حين ترحل، بل ستطلب منهم أن يدخلوا إلى حجرتها، يفتحوا الشبابيك للشمس، يجربوا كل ملابسها ويضعوا عطورها ويأخذوا ما أرادوا من حليها وأدوات التجميل، ويستمرون في الحكي لساعات، ببساطةٍ.. يبقونها على قيد الحياة.

على الرغم من ذلك، يتكاثر الحزن ذاتياً بداخلي، يلتهم كل ما ترسب في القاع من افتعالات ومشاعر مخزّنة، يساعدني على التخلص منها تماماً، لكنّه يترك أثراً خفياً، فيجعلني أبدو أكثر صلابةً بينما هو يقتلني ببطء وثبات.

 أقرأ كثيراً، وأحاول أن أتغلب على الروتين بالفوضى، أفكر في الفراشات التي سأدليها من السقف، والألوان التي سأضيفها إلى الحائط، كما أبحث عن طريقةٍ مبتكرة لصنع رفٍ للكتب الحميمة الدافئة، وأفكر كثيراً بامتلاك قطّة، سأدخر لاقتنائها أول نقودٍ تُوضع في يدي، سأقرأ العلامات بتأنٍ، وأكتب كلما داهمني حلم يقظةٍ أخر، وربما أرسم أيضاً.

تتراكم الأوراق بجانبي، وتتزايد معها رغبتي في صنع مراكب وطائرات ورقية، لكني أصمد أمام ذلك الكم من العبث، وأستمر في القراءة لساعات، أهمس دائماً بدعاءٍ ما فيجيبني الله في الحال، أنتهي بنومٍ مُريح وهدوءٍ داخلي، لا أثر لضجيج سابق، ولا لذكريات موجعة، فقط وسط هذا الظلام، أجد الكثير من نقط النور.

نور لطيف، يشبه طيفك حين يلامسني، فالبُعد على كل حال، هو أقرب مسافةٍ مُمكنة.. 




هناك تعليقان (2):

:)