2014-04-20

مُرسلة إليك من أرض الملل




صديقي العزيز، فسدق باشا المقيم بحواري ذرات الهواء، جزئ الأكسجين رقم خمسة بعد المليون، هُناك..
أرسل إليكَ خطابي هذا عشان أحكيلك آخر الأخبار، التي تعرف نصفها مسبقاً.. 
أنا هنا، في مكانٍ ما على وجه الأرض يشبه غيره من الأماكن، الألوان القاتمة نفسها، والشعور المستقر بعدم الإنتماء، أعرف أنك ستخبرني أن الأماكن لا تتشابه أبداً، وحدها النفس تحمل العيون الزجاجية التي ترى التشابه ولا تقو على إدراك الإختلاف، لكني سأحاول إصلاح الأمر وأسوق إليك الخبر السعيد، بقيت بنام من غير كوابيس، وبنام كتير كمان، جدّي رحمه الله كان صالحاً يقرأ القرآن بانتظام ويصلّي الفجر يومياً، وحكت لي أمي كثيراً عن الملائكة، والأطياف الطيبة التي تحرس هذا المكان بالذات. هي بركة الحاج أحمد، كما يردد الجميع. 
المهم، أنا هنا، والجميع بقلوبهم الباردة هناك، منشغلين بأعمالهم التي لا تنتهي، أما الحب فهو يجد مساحةَ رحبة وقاعد ومربع في قلوب كل من حولي هنا، يظهر ذلك في نظراتهم، ابتساماتهم، وأطباق الطعام الممتلئة بكل ما هو شهيّ، وبسيط. 
إن شكوت لك الآن نسيانِهم لي ستوبخني، فلديّ ما يكفي من الإهتمام هنا، دون الحاجة إلى كل من يصرون على البقاء هناك. 
أتعرف؟ أحياناً يهمس باسمي، منادياً، فيختزل المسافات بيننا، ويهدم كل الأسوار التي أجاهد في بناءها كي لا يصل إليّ، في لحظة، فأشعر بالدفء، والتهديد في آنِ واحد. لماذا لا يتعلّم الجميعُ منه أبسط سُبل الوصال؟
ذلك الوصال الذي صار عصياً، وكلّت يداي من التشبث بأطراف الخيط الذي يترهل يوماً بعد الآخر، بيننا.
أراك الآن تضحك مني، تظن أنها فترة وهتعدي، سأعود إلى ما كنت عليه بعد عدةِ أيامٍ أنتهي فيها من النحيب ورثاء نفسي والسخط على العالم، وربما تكون على حق، لكنّ الصدأ الذي تتركه قطرات المطر على القلوب العاريةِ من الدفء يسمح لها بالتفتت، تدريجياً، وأشعر أني يوماً ما سأستيقظِ بنصف قلب، عاجز، من فرط التآكُل. 
على كلٍ لا تهتم، أخبرني كيف حال حبيبتك؟ ألا تزال تصنع لك دواءاً من عناقيد العنب والريحان؟
أخبرها بان أسطورة السعادة الأبدية لن تكتمل، ليس على هذه الأرض، فالأطفال صاروا غريبين في طفولتهم، الرجال صاروا يبحثون عن سبلٍ مريحةٍ لكسب الرزق، والزوجات صرن يقاومن نقص الحب والهرم.
خلقنا الله لنتدرّب على الفقد، منح أجسادنا قدرةً محدودةً على التحمل، وترك أرواحنا لتجاهد حتى تصل إلى منافذ النور، فتطمئن. 
أتعرف أني أحياناً أتساءل لم يسلبنا الله بعد العطاء؟ ويمنع عنا حين نطلب؟ ويتركنا لنتساءل عن السبب، يتركنا للتشتت، والتيه، ثم نستمر في ترديد أنه رحيم غفورٌ مجيب، دون إيمانٍ فعليّ برحمته، أو غفرانه؟
سأفجر رأسي عمّا قريب، وأرسل لكَ دعوةً لتشهد الإحتفال. 
اه صحيح، يزداد شحوبُ وجهه، وصارت عينُه إلى اللونِ الأصفر عوضاً عن الأخضر، لكنّه يزداد حناناً، وذلك يكفي، أما عنّ ذلك الطفل الصغير، فقد وقف حائراً حين رآه يتألم، أخذ يواسيه بلغته الطفولية قائلاً "علش" ثم انفجر باكياً، لأجله. 
بينما وقف الجميع يبكون الرحمة التي وضعها الخالق في فطرتهِ التي لم تتغير بعد. 
أتعرف أني أشكو إليهِ كثيراً؟ أخبره بأنهم ينصرفون عنّي وبقلبي وحدة، ثم أطلب منه باكية ألا يعلّق قلبي بأحدٍ سواه، أشعر أحياناً أن حائطاً صلباً يقف بين صوتي وبينه، وأذكر يوماً كانت الحمّى تحرق رأسي فدعوت، وسمعت صدى صوتي يتردد في سبع سماواتٍ عاليه، وأكاد أقسم أني سمعته ينادي.
أتظن أنه يسمعني؟ وبأن منعهُ لما اشتاقت نفسي إليهِ رحمة؟ فلربما كان العطاءُ بلاءا.
عزيزي فسدق، شكراً لأنك كنت هنا، ولأنك أنصت إلى حديثي المشتت، وكلّفت نفسك عناء الوصل بين معانيه، شكراً على كلِ حال لأنك تحمّلت كل ذلك الهري الذي كان يمكن اختصاره بجملة "أنا زعلانة على فكرة" التي لم أتمكن أبداً من إلقائها في وجه الجميع.
على كلٍ، إيمان بتسلّم عليك،

تصبح على خير بقى وكده.


 ضحى، 
مرسلة إليك من أرض الملل.


 

2014-04-07

خوف..



ظننتُ غروراً أننا قادرون على إيقافِ النزيف، وأن ما كُسر ذات مرّة يصيرُ عصياً على الوجع إلى الأبد. 
ظننتُ أني تخلّصت من كل ما في جعبتي من الحكايات، ومن البكاء، لكنّي اصطدمت بحائطي الزجاجيّ حين حاولت أخد خطوة واحدةٍ للأمام. 
عُدت، إلى نقطةِ بدايةٍ وسؤالٍ حائر، أأنت هُنا؟ أم هي نفسي تتوق إلى التعذيب والألم فتتمسّك بما بقى من آثارِ جرحك؟
أحقاً خذلتني؟ أم سهواً؟
أنبش بأظافري في ذاتي كي أجد إجابة، فإذا بي أنقض قبر الذكريات. 

لأن كل ما فات وما سيأتي، هو حلم سئ آخر، ليس لنا فيه سوى المشاهدة صامتين، ننظر إلى الفرح والبكاءِ معاً ولا نجفل، نعيش التفاصيل بكلّ ما نمتلك من الشعور، كمُخرجٍ ليس له دخلٌ في صناعة الأحداث، هو فقط يرى بمخيلته كلّ شئ بتلقائيةٍ وبتأثر، ينقلُ كل ما يراهُ إلى عيون الجميع دون أن ينطق كلمة، فيحيل المشاعر فوضى ويومض الأفكار في الأذهان، ثم لا يناله من التقدير شئ، ولا من المتعة إلا عناءَ الحكي الصامت.

صديقي الخائف، أتشعر أننا سننجو من تلك الظُلمةِ يوماً؟ 

لن أخبرك الحقيقةَ أبداً، لكني واثقة من أنك تعرف تماماً ما أتحدث عنه، الأدرينالين خاصّة، الإحتراق المستمرّ في قلبٍ يتكبّد عناء المحاولةِ، ولا يصل، الفِكر المنصرف عن كل شئ إلى شئ واحد، له قدسية غريبة تُجبرك على كُره كل ما لا يتصّل به، والوَلَه، بكل ما يمكن أن يمتلك -حتى بدون قصد- رائحته، والدعاء المستمرّ في جوف الليل لتنال من فرح الحياةِ نصيب، لتكتمل به، ولو مرّة واحدة.

كلّ ما يمكن أن يُقال، قد قيل. 
سأمر من هنا، كما مررت سابقاً، أنظر إلى فوضاي العبثية، كومةِ الإحباط المكدّسة، خليط الذكريات والصور، والفرح المُدلل الذي لم يكتمل. أعيد كل شئ إلى مكانِه، أردم قبر الذكريات كما كان، وأجتهد في إخفاء ابتسامةٍ منكسرة تلوح من حينٍ لآخر على وجهي، وربما أدعو أيضاً. 

ستمرّ من أمامي، كعادتك، ولن تلتفت، وسأتدرب كي لا أهتم. 

أكرهني كثيراً، بالمناسبة، تلك المثالية الحمقاء التي تسعى لجعل العالم مكاناً أفضل ليليق ببشريين مثقلين بالتعب والخوف مثلها، تكرههم بنفس القدر الذي تكره بهِ كل شئ تقريباً.

لا شئ يمكنه أن يفسّر ارتباكاتي الأخيرة، لا أحد يمكنه أن يتحمّل اضطرابي، لا أحد، وحدها أمي تستطيع أن تحتضنني وأنا أبكي بهستيريا، وحدها تحضر لي مِسْكاً وتنتبه حين أستقيظ فزعة من حلم سئ آخر، فتمرّر يدها على رأسي، وتقرأ، ثم تبتهل كثيراً كي لا يمسّني نصبٌ ولا جزع. 
حتى أمي يصيبها الملل، وتيأس مني، فتنظر إلى السماء وتسأل "لم عليّ أن أتحمّل كل ذلك الأذى؟"، لكن الله دائماً ينظر إلى قلبها العطر، فيجيبها صبراً، فتصبُر.

شئ في قلبي يحترق، فهل تشعُر؟