2014-02-26

الخيبات الصغيرة.. الكتير

كل ما يأتي هو حكي، ميهمش حد. 
خد باب المدونة ف إيدك وانت ماشي.



صباح الخير، الساعة اربعة الا تلات دقايق بتوقيت أم الدنيا، الثامنة صباحاً بتوقيت الأوضة بتاعتي.

بيتنا الجديد في منطقة منعزلة من العالم، مفيش دوشة، مفيش أي حاجة حوالينا، غير صوت هدهد معدّي من وقت للتاني، أو صياح ديك عندنا فوق، الهدوء كما يجب أن يكون، كل الناس اللي عاوزين يسافروا كوكب تاني عشان الزحمة ممكن يعزلوا لحتة فاضية، وهتأدي نفس الغرض، والراحة النفسية، وأحياناً الإنبساط. 
الأوضة لونها برتقاني، وفي فراشات ملزوقة عالحيطة، مفيش براح أوي بس كل حاجة ف مكانها صح، وفي وسط هذا الهدوء المنمق، حاولت أعيط من شوية، ومعرفتش! 

البلكونة مقفولة، تماماً كقلبي.

انا دايماً بشتكي من الوحدة، ومكانش ناقصني غير إني أبقى منعزلة ذهنياً وجسدياً عن العالم عشان الدايرة تتقفل، والوحدة تزيد، مفيش تليفون، وسائل التواصل تكاد تكون منعدمة، الفراغ الإلكتروني المكتوب هو وسيلة التواصل الوحيدة الغير مرضية، الفيس مش بيخليني أحضن اللي وحشوني وحتى مفيش صوت عشان اسمع ضحكتهم، النزول من البيت بقى بمواعيد، السفر اللي جه غلط، والعزلة اللي بتزيد رغماً عني. 

في ناس نفسها ف العزلة دي أوي، في ناس بتعرف تتأقلم مع نفسها وتعيش من غير ما يبقى في خناقات ولا زعيق ولا عياط، من غير وجع، انا كنت عاوزة العزلة دي من بدري بس لما لقيتها جت قهراً تعبت.

---

أول يوم سفر. 

كانت المدينة بغبارها المعلق في الهواء تودّعني، تفك قيودها الخانقة على عقلي ببطء، تُظهر مخاوفي المطوية، فأتساءل عمّا سيحدث، لا رغبة لي في العودة إلى هذا المكان أبداً، أشعر ببداياتِ فقد وغصة في الحلق أعرفها، ألفتها لسنين، الحنين سيقتلني منذ اللحظة الأولى كالمعتاد، سأبكي رغبةً في العودة، وحين أعود سأتذمر مرةً أخرى من غبارها وضيق التنفس. 

 مرة اخرى، أخلع عني عباءة التمثيل وأعود إلى صفوف المشاهدين، تمر حياتي من أمامي دون أن أعي، أنظر إلى الشريط يتقدم والأحداث تتوالى، دون شعورٍ واحد يخصني، دون رغبة في الإدراك، دون محاولة للإشتراك في صنع الأحداث، ودون ملل.

نصل، المدينة الجديدة رغم كثرة آثارها إلا أن هوائها نظيف، أسمعني أخبر صديقتي بأن العيب فينا، سنظل نشكو من ضيق التنفس أبد الدهر طالما نحمل الرئة الفاسدة نفسها، نلقي باللوم على الغبار والهواء، ونغفل ما يكمل بداخلنا من عطب، لكن الفكرة تظل تدور في رأسي، الهواء هنا، نظيف.

أعود منهكة، لا أذكر ما حدث، كل ما أذكره هو أني في ظلام الغرفة أبحث عن أوراقي التي أكتب فيها، فلا أجدها، أضئ شاشة الهاتف وأكتب، أسجل كلمات متفرقة، أريد أن أقفز فوق درجات الوقت، ألقى نظرة واحدة على المستقبل، أستبق الأحداث وأكفي نفسي عناء الإنتظار والإحباطات المتتالية، وربما البكاء أيضاً، لكن الزمن لا يتوقف، يمر ببطء مخرجاً لي لسانه في سخرية، استهزاءاً بمنطقٍ لا يصلح للحياة.

الشمس حارقة، لا أضع أي واقٍ على وجهي، لا أكترث حقاً للسمرة التي سأكتسبها، رغم أني تذمرت كثيراً حين نظرت إلى وجهي في المرآة وغضبت، كان الغضب لأني أزداد قبحاً كل يوم، لا أكثر، أما الشمس فكانت ولا تزال نجمي المفضّل في هذا الكون.
أغمض عيني، لا أنام سوى للحظاتٍ قصار، وأستيقظ دائماً حينما تكون الأغنية في أذني قد انتهت، تماماً. الصمت وحده قادرٌ على إيقاظ ذهني الخامل، بلا عناء.

الهمس، الحكي في ساعة متأخرة من الليل، الفضفضة الحلوة، وضمّة حانية تترك أثراً بقلبك، ومحاولاتٍ فاشلة للبكاء والرقص.
والوصال.

اكتفيتُ من الضجيج، كانت الشمس مائلة للغروب حين بدأت المركب في التحرك، النيل يبدو كريما في تلك اللحظة بالذات، الشراع يحتضن الهواء ويسيران باسم الله، هناك صبي وفتاة، ببشرة سمراء ناعمة، وقامة منتصبة كوالدهما، يجلسانِ على ناصية المركب ويتضاحكان، هما يمتلكانٍ قدراً من السعادة والإطمئنان أكثر منا، ولأن بهم الكثير من اللطف ازددت حباً للمساكين أكثر، وأكثر.

أتعرف أكثر ما يزعجني؟ 
أني أزداد سوءاً كل يوم، لم تعد ترضيني المحاولات، لم تنجح أي منها على كل حال، يتزايد سخطي على العالم لأني أزداد سخطاً على نفسي، أتساءل متى توقفت عن الحياة فلا أجد إجابة مرضية، أغضب من أصدقائي، أشعر بالإهمال، ولا أحاول العتاب، اكتفيت من المحاولات أيضاً، لو ألقاني أحدهم إلى قاع هذا النيل لن أحرك ذراعاً واحداً كي أنجو، أمارس ذلك المنطق يومياً، فتزداد الفوضى ويزداد الضجيج ولا أقوى على المحاربة، فأغرق.

آخر يوم سفر. 

---


بصي، هو انا عارفة إني ممكن أكون بكبر المواضيع، بس هي حالة العجز اللي بتيجي من وقت للتاني دي، مش قادرة أطبطب، ومش قادرة أوصل عشان أطبطب أصلاً، روحي تقيلة ومش بتخف، مش قادرة أبقى الشخص المعطاء نفسه اللي انتوا متعودين عليه، مبقاش فيه حاجة جوايا أديها. 
عارفة إن منار هتقرا الكلام ده وتقولي غلط، بس انتي عارفة إني تعبانة بقالي كتير وبحاول، هرجع زي مانا لو حاجة واحدة اتصلحت، وحدث كوني بسيط خلاني أفرح من قلبي بجد، حدث واحد بس يارب، عمرة للروح، خالي يبقى كويس، أفرح بأي حاجة، بس تبقى الفرحة بجد. 
الناس، مش مضايقيني ف حاجة، بس بقى فيه خذلان منهم كتير، بحاول اتجاهله، وأكمل، بس غصب عني في ناس بدأت تقع من إيدي، ومش قادرة أوطي وأشيلهم تاني، البعد بيخليك تعرف مين عاوز يحافظ على وصاله بيك ومين لا، وساعات الخطوات اللي بتاخدها ناحية حد بتعرفك إذا كان باقي عليك أو لا، فمش دايماً تستنى من حد إنه يبدأ، البداية لو جت من عندك بتبقى أحسن، عشانك. 
انا عارفة ان ممكن يكون كل اللي بيحصل حواليا نتائج لحاجات كتير غلط عملتها، ومش من حقي أشتكي ولا أدبدب ف الأرض وأقول ليه بيحصلي كل ده، عارفة إن قانون الجاذبية هيفضل يشد ف روحنا لتحت، وقانون نيوتن هيفضل يقولنا لما ناخد على دماغنا إنه رد فعل مساو في المقدار للي عملناه. 
ربنا عاوزنا نوصلّه ف الآخرة بقلب سليم، وقلوبنا كلها معطوبة، واليأس مستوطن فيها. 

الأحداث الكونية بتحصل كلها برا، الأوضة مضلمة، والبلكونة مقفولة، العزلة مريحة، عندي إحساس قوي إني هموت بسبب الانتظار. 
وإلى أن ينصلح القلب والروح تخف، ووصال القرب بربنا يرجع، شكراً للي حاولوا يكونوا هنا، وشكراً للي محاولوش.

يارب، محاولة أخيرة متخيبش.. محاولة واحدة بس!

2014-02-12

وجدتُك.




عادت، أخيراً! بعد أن كتب درويش قصيدته، وانتهى من الإنتظار، بعد أن توقفت الأحلامُ عن البُكاءِ وغلبها النعاس.
عادت، لتعطيهُ سبباً آخر ليكره وجوده، حين يرى أملاً يقتله بإرادته، ويحمل فوق عاتقهِ ذنباً يكفر عنه كل ليلةٍ دموعاً ودعاءاً، هو الذي لم يثقله ذنبٌ قط. 
لم تحضر معها الفرح حينما عادت، هي فقط ذكرّته بكل الندوب التي تركها في قلوبِ غيرها، حين كانت ندبتها الأبديةُ في قلبه الصغير لا تزال تحترق.
لكن درويش كان قد بدأ في غزلِ قصيدةٍ جديدة، عندما عادت هي، متأخرة.

الخوف.
هو ما يبقيني متيقظة طوال الليل، أرقب الباب في حذر، بانتظار شئ سئ لا أعرفه.
هو نفسه ما يدفعني لإغماض عيني عن حلم جميل أمامي، حتى لا أصاب بنوبةِ أملٍ فأسارع في لمسه، فيتلاشى.
هو نفسه ما يدفعني للهرب من الجميع، ظناً مني أني أهرب منه هو.
الخوف نفسه، هو ما يميتني سراً كل يوم، بينما لا أزال أحاول جاهدةً أن تكون حياتي أكثر من مجرد محاولة بائسةٍ للتنفس.

أيمكنك أن تصون سراً؟ أنا خائفة، لكن الجديد هو أني أمتلك الآن بعض الأمل، وثقة كبيرة بالله.

لم أشعر بالتهديدِ قبلاً، لكنّه يحيطُ بي الآن من كل جانب، حين يصرّون على إخباري بأنك تُشبهني حد الخطر، على الرغم أني لا أمتلك ملامحك، لكنّ الضوء المتسلل من دواخلنا يبدو واحداً، قالت لي أمس أنك تسرقُ بعضاً من روحي، بعضَ الأُلفة المحببة أيضاً، أطلت النظر إلى قلبك الأخضر متسائلة عن مكان النور، ووجدتُه. 
ومنذُ ذلك الحين، أكرهُك.  

أتعرف كيف تصنع كعكاتٍ ملونة؟ يكفيك ضمةٌ واحدة من أمك، وكوب من الحليب الممزوج بدعواتها الصادقة، والكثير من الحب، ستصنع ما يكفي وأكثر لنشر البهجة على العالم لمدةٍ سنة كاملة، وستجد ما يكفي من الموسيقى بداخلك ليخرج من أوجاع قلبك زهوراً برية، أما عن الكُتب الدافئة، فستجد فيها شاعراً صنع من جدائِل شعر حبيبته حُريّة. تعلّم منه صناعة الحلوى. 

أما عن السكينة؛ فهي مناجاة، اختلاء بالحبيب، وهمسٌ يصل إلى عنان السماء. 
  
الآن..
صار الحُلم أكثر وضوحاً.. 
هو، بظلِه الثابت وابتسامتِهِ المنسية، وأنا ممسكة بذراعِهِ كطفلةٍ تخاف الضياع وسط الزحام.
هو، غارقٌ في اللحن، وأنا منصتةٌ إلى دقاتِ قلبِهِ، أضبُطُ الإيقاع.
أيُمكن للقدرِ أن يعطينا فرصة لنكمل الرقصة؟
.
.
.