2013-10-21

محاولات..



قليل من العزلة لن يضُر.. لا أحد سينتبه.. اختبأ فقط بداخل قلبك وتعلّم رسم تلك الإبتسامة المعتادة على وجهك كلّ صباح كي لا تثير الريبة.. وانصرف إلى ذاتك حينما يكون الجميع منصرفين إلى ضحكاتهم.. لا تنظر إلى عيني أحدٍ مهما كان.. لحظات قصيرة إن كنت من ذوي العيون الفاضحة أمثالي.. اغلق باب ذاتك ورائك حين تخرج إلى العالم بإحكام.. لا تسمع لأحد بالإقتراب.. قليل من السكون في ذلك المكان لن يضر.. قليل من العتمةِ أيضاً.

لا تكترث لأمرها.. ستظل بخير.. قد تفتقد ظلّك المرح أو ابتسامةً مختبئةً في عينيك لكنها لن تمانع.. لا تسمح لها أبداً برؤية ما يسكنك من ضعف.. لا تدعها تكتشف حزنك في لحظات شرودك.. هي تراقبك دائماً ولذلك عليك أن تكون حريصاً معها.. لكن لا تقلق.. قد تتفهم وتحاول لمس موضع الألم.. فلا تبتعد.. وقد لا تفهم وتنتظر عودة روحك مضاءةً كما كنت.. ستكونُ قريبةً على كل حال وسيعطيك ذلك شعوراً خفياً بالأمان. فتهدأ.

اقرأ كتبك المفضلة كثيراً.. ستجد كتاباً ما في ركنٍ غير واضح بانتظار دفء يديك.. اقرأ حتى يتخم عقلك وتسقط في فوضى المشاعر.. دعهم يأخذوك إلى عالمٍ آخر غير الذي تعرفه.. انفصل قليلاً عن الضجيج واغرق.. فالغرق وحده سيعطيك قدرةً لاحقة على التنفس. 

الموسيقى أمرٌ حيويّ.. الثلاثي جبران في الصباح و Apocalyptica في المساء.. الضجّة ستفقدك التوازن.. ستخرجك من حيز نفسك الضيقة لترقص بلا وعي على الإيقاع.. ستدفع بروحك إلى القفز أو الوقوع إلى هاوية ما.. استعن بفيروز على حل أزماتك النفسية المستعصية.. فيروز دائماً تمتلك حلّا ما فلا تجزع.. ولا تنسَ موسيقاك الدافئة لأجل الشتاء.. ستجد عازفاً غريباً يجيد صنع السعادة على البيانو فاسمعه في انتظارك الطويل للمطر.. وحين تمطر.. سيعرف المطر كيف يصنع لحنه الخاص فأنصت إليه.. أما عن الليالي الطويلة فهناك زوجان قادران على ملأ جعبتيك بنعاسٍ هادئ بأحلامٍ ملوّنة.

ستقف أمام عتبةِ بابه مناجياً.. كلّ محاولاتك السابقة كانت لأجله.. تعرف أنك تضل الطريق خطوة بعد الأخرى.. هي الغفلة.. الضباب الذي يحيط بك كي لا تصل.. ستقف أمامه ذليلاً.. لا تزال عاجزاً عن البكاء لأسباب مبهمة لكنك تنزف من الألم.. تعرف أنه بعبادهِ لطيفٌ خبير.. وترتكن دائماً إلى رحمته الواسعه وتغفل عمداً عن أن عذابه هو العذاب الشديد.. لم تعرف بعد عبادة الأحرار.. لم تتخّل بعد عن أمورك الدنيوية التافهة.. لكنّك تعود يسبقك ذل نفسك.. تحاول أن تتبين الطريق.. لكن الضباب كثيف.. ولا تزال عاجزاً عن البكاء لأن قلبك الصغير قد جفّ من منابع الماء..لأنك لازلت تتعثّر.. وتستسلم. 


.
.
.

لسّة بنحاول.


2013-10-18

بعيداً عن الدوشة..


 

"بغريزة الموتى
تتشابك يدانا..
برغبة الأزرق 
في أن يبقى سماء"

أعيدُ قراءة ذاكرتي للمرة الألف لأجدك دائماً هناك.. تتطلع إلي بابتسامة ثابتة.. أنظر إليها وأبتسم لأننا كنا سُذّج.. كنا صغاراً نحاول أن نجد لنا طريقاً لنصل إلى حدّ النضج بسرعة.. وكنا نخطئ الخطو دائماً.

اليوم.. كلٌ في حياته.. كلٌ يحاول محوَ ماضيه أو عقد هدنةٍ معه.. لم ينج أحد من تيارات التغيير التي أغرقتنا في دواماتٍ لا تنتهي من الأسئلة.. والمزيد من التطلعات نحو المجهول.

كم كنتُ سعيدة!

أنا هُنا الآن.. أحاول أن أصنع للكلمات طريقاً تعبُرُ من خلاله.. أحاول أن أجدك بداخلي فأتعثر بالفوضى.. التراهات المنطقية حول ما يجب فعله.. الأسئلة المتراكمة عن الدوافع والهدف.. الدراسة التي ستبدأ غداً وأنا لا زلت في المنتصف أرمم ما تهدّم ذات مرة وأبحث عمّا وقع مني سهواً خلال سنةٍ ونصف من الإهتزاز والتشتت.. ظننت أن الوقت سيمهلني كي أبدأ بداية مرتبة.. لكني غفوت رغماً عني حين أصابني الدوارُ والملل.

لم أحرز أي تقدّمٍ يُذكر.. صرتُ أكثر حماقةً لا أكثر.

أعرف أن الحياة ستمضي قدماً.. لن تتوقف لتربط لي حذائي وتأخذ بيدي لنمشي سوياً كطفلةٍ في الثالثة من عمرها.. هي لا تفعل ذلك حتى مع الأطفال.. وأعرف أنك ستصير أفضل.. أكثر سعادةً ربما.. ستكف الأرض عن الدوار وسيعرفُ كلٌ وجهته الصحيحة.. عاجلاً أم آجلاً.

صديقتي تخبرني أن عليّ ارتداء لونٍ مبهجٍ غداً.. فالبدايات تصيرُ أجمل حين نستقبلها بابتسامة.. صديقتي لا تعرف أني صرت أري البدايات رماديةً حزينة.. لأننا سنموت في النهاية ولا جدوى من الصراع.. صديقتي تعرف اني سأرتدي لوناً قاتماً وستبتسم.. أتمنى فقط ألا تتردد حينها في امساك يدي واخباري أنها "هتُفرج".. وأتمنى فقط حينها أن أمتلك بعض الشجاعة لتصديقها.





2013-10-15

بيت صغير بكندا..

 

"كل ما تثلج بينطر يدوب الثلج..
كل ما تغيّم.. بينطر يرجع ربيع.."

تعتذر لأنها ليست على قدر المسئولية.. لا تمتلك سوى الهرب كلما واجهتها عيناه.. تأخذ كل الأموز بهزلية مزعجة كي تتجنب ثقل التفاصيل ومشقة إدراك الأمور.. تعتذر لأن داخلها بارد.. الجفاء أخذ يأكل كل ما هو أخضر لتصير مساحات رحبة من اللاشئ الصلب.. حاولوا لمسها مراراً.. دفء أناملهم لم يشفها أبداً.. بل صار يوجعها أكثر.. لذلك تبتعد عن عمد وتُصر على المشئ بسرعة دون الإلتفات إلى أحد.

تبكي لأنهم لا يفهمون.. لأن العطاء يصير مُبتذلاً بعد طلبه.. لأنهم لا يحاولون إلا إذا لمسوا فيها حُزناً ما.. تبكي لأنها تقف وحيدة في مواجهة النسيان.. الجمع مُعرضٌ عنها لأسبابه الخاصة.. الجمع مثقل بالمتاعب ومشقات الحياة.. الجمع مُعرضٌ دون قصدٍ وبدون سوء نية.. لكنها تبكي لأنها لا تستطيع أن تطلب من أحدهم أن ينتبه.. لأنها ذهبت إلى المريخ وعادت دون تهنئة بعودتها أو كلمة اشتياق واحدة.

-----
"شعل النار.. وبنطر ترجع حبيبي
تبقى حدّي وماتتركني غريبة"

فيروز تبعثرها.. تحيل داخلها فوضى وتتركها شاردة مع صدى نغماتها الحزينة.. فيروز تهدهدها كل ليلة لتذكرها بأن الأمل ليس وهماً كجنيات عالمها المضيئة.. فيروز تجيد الحكي أكثر منها.. أكثر من كلّ من تعرفهم في حياتها الصغيرة.. فيروز هي الوحيدة التي تمتلك حق امتلاك فم لتصنع مثل تلك السعادة.

هي تعرف أنها لن تمطر قريباً.. بأن الوجع لا يزال يطاردها ولن يتركها تنعم بكوب الشاي الدافئ.. بأن الكتابة نافرة غاضبة منها لسبب لا تعرفه.. بأنها مريضة بالحزن المزمن وبأن داخلها أكثر دماراً مما يعتقد البعض.. هي تعرف أن الشتاء تلك المرة سيكون قاسياً.. وبأن كوفية ملوّنة ستكون هديةٌ جميلة لصديقتها.. هي تعرف أن الوقت يمُر.. بأننا سنصير إلى التراب في النهاية.. وبأنه يوماً ما سيكون لها بيتاً صغيراً بكندا.. ما بدها يزورو حدا.. ولا حدا أبدا.