2012-08-14

لأني أعشقه ..



آهٍ لو عرف الحق أحد لما عرف كيف ينطق بكلمة تسئ؛ ولو عرف الحب لما عرف كيف يسكت عن كلمة تسر ، ولن يكون الصديق صديقاً إلا إذا عرف لك الحق وعرف لك الحب.

لا أريد بالصديق ذلك القرين الذي يصحبك كما يصحبك الشيطان: لا خير إلا في معاداته ومخالفته، ولا ذلك الرفيق الذي يتصنع لك ويسامحك متى كان فيك طعم العسل؛ لأن فيه روح ذبابة، ولا ذلك الحبيب الذي يكون لك في هم الحب كأنه وطنٌ جديد وقد نفيت إيه نفي المبعدين، ولا ذلك الصاحب الذي يكون كجلدة الوجه: تحمر وتصفر لأن الصحة والمرض يتعاقبان عليها، فكل أولئك الأصدقاء لا تراهم أبداً إلا على أطراف المصائب، كأنهم هناك حدود تعرف بها ما أين تبتدئ المصيبة لا من أين تبتدئ الصداقة. ولكن الصديق هو الذي إذا حضر رأيت كيف تظهر لك نفسك لتتأمل فيها، وإذا غاب أحسست أن جزءاً منك ليس فيك، فسائرك يحن إليه، فإذا أصبح من ماضيك بعد أن كان من حاضرك، وإذا تحول عنك ليصلك بغير المحدود كما وصلك بالمحدود، وإذا مات... يومئذ لا تقول: إنه مات لك ميت، بل مات فيك ميت؛ ذلك هو الصديق.

وكنا ذات يوم على شاطئ النيل، وبزغ الهلال كأنه إصبع ملك من الملائكة خرفت ستار السماء لتحدث فيه ثقباً تنظر منه إلى نجمة ستهوي؛ فقلت له: "هذا الهلال ما انفك يتلقى نور الشمس منذ خلق وهو في نفسه مظلم أبداً، ولكنه من صحبته للنير قد أنار وصار مع الشمس شمساً بيضاء فما أكرم الصداقة من نعمة لو أصابها المرء على حقها فيمن خلق لها! كان اهل الكيمياء قديماً يسمونها: "علم زراعة الذهب" وأنا أسمي كيمياء الشمس في هذا القمر "زراعة الفضة"، فمذا تسمي أنت كيمياء الصداقة في معادن القلوب؟".

قال: أسميها "زراعة الخير".

قلت: " فإن لم ينبت وأكله لؤم أرضه؟"

قال: "ذلك إلى الله لا إلينا؛ فإن في هذا الوجود قانوناً دقيقاً للخيبة لا يتسامح في شئ، وما يعرف منه الناس إلا حكمه حين يقضى فينفذ فيه قضاؤه يدرك الشقاء. ألا إنه ما من الخيبة في الحياة بد؛ فإنها رد الأقدار حين تقول "لا" وهذه الخيبة هي العلم الذي موضوعه أن يعلم هذا الإنسان المغرور أنه شئ في الحياة لا كل شئ فيها، فإذا كذبك صديقك مما قبله وغمك بكثرة خطئه وزلله؛ فلا تزرعه مقتاً وبغضاً بعد أن زرعته خيراً وحباً، ولا تقطعه، بل انتظر فَيأَتَه؛ فإن فتنة الصدر غامضة. وقد يكون أشد البغض من أشد الحب، وليس لنا مع سفن القلوب إذا اختلفت رياحها وهبت عواصفها إلا أن نطوي الشراع ولكن إلى وقت.

فإذا جهدك البلاء من صاحبك وبلغ منك اليأس، فما يسوغ لك أن تكون معه إلا كالذي حفر الحفرة ثم طمها بترابها ألقى فيها ما كان فيها من قبل ومضى كأن لم يكشفها"

قلت: " آه! فإذا كانت الحفرة من شرها في عمق البئر ذاهبة إلى الأغوار البعيدة، أفأقضي شطر العمرأردم فيها بعد أن قضيت شطره احتقر منها؟"

قال:" فمن ذا جعلها بئراً سواك؟"

قلت: "ولم لا أدعها بئراً خسيفة، يلعنها عمقها الغائر فيها بأنها فارغة مظلمه ويلعنها ترابها القائم عليها بأنها متروكة مهملة؟"

قال: " سبيل الفضيلة غير هذا؛ فكن مع الناس في حالة تشبه محل نفسك لا محل أنفسهم، وما أنكر أن من الناس من يوقعون في نفسك الظنة بكيت وكيت من سوء خلقهم، وكذا وكذا من قبح أعمالهم، حتى لتكون صداقة احدهم كأنها نصف معركة حربية، ولكن الهزيمة عن صديقك وأنت صديق خير من النصرة عليه وأنت عدو؛ فتحصن من كيد هؤلاء وأشباههم بالإنهزام عنهم لا بمدافعتهم، فذلك إن لم يقعدهم عنك لم يلحقهم بك، ثم إذا ردك إليهم راد بعد كنت الأكرم.

واعلم أن أرفع منازل الصداقة منزلتان: الصبر على الصديق حين يغلبه طبعه فيسئ إليك، ثم صبرك على هذا الصبر حين يغالبك طبعك لكيلا تسئ إليه.

وأنت لا تصادق من الملائكة، فاعرف للطبيعة الإنسانية مكانها فإنها مبنية على ما تكره، كما هي مبنية على ما تحب، فإن تجاوزت لها عن بعض ما لا ترضاه ضاعفت لك ما ترضاه فوق زيادتها بنقصها، وسلم رأس مالك الذي تعامل الصديق عليه".

قلت: " فإني لا أعني ذلك أضع "رأس" المال بيني وبينه، ولكن شخصاً آخر وضع "قلب" المال بيني وبينه".

قال: "فهاهنا إذن! ومن هنا صارت الحفرة بئراً ولكن أفتني فإني لا أعرف شيئاً عن هذا الذي تسميه الحب، فهل هو بين النفسين شئ غير الصداقة؟".

قلت:" هو هي إلا فرقاً واحداً".

قال: " إذا كان واحداً فلقد هان، فما هو؟".

قلت: " الفرق بينهما أنك ترضى أن يكون الصديق لنفسه أكثر مما هو لك، ولكنك لا ترضى إلا أن يكون الحبيب لك أكثر مما هو لنفسه".

قال: " فذلك رق لا حب".

قلت: " وهذا هو الذي يجعل الحفرة بئراً، فالصداقة في المودة تجذب الطبع ليتفقا، ولكنها في الحب تجذب الطبيعين ليكونا عند النقطة التي يتناقضان منها. وأعظم ما يسوؤك من الصديق لا يزيد على أن يردك إلى نفسك وحسب، ولكن أيسر ما يغضبك من الحبيب يسلط نفسك عليك بسوء التحكم والإعنات والآراء الفاسدة، حتى يترك دمك وكأنه تيار من الغيظ، فإذا حبيب نفسك أعدى أعدائها، وإذا هو قد أصبح العدو لأنه لا يزال الحبيب!".

قال: " أما إن هذا تعقيد على النفس، وهو العلة في أن المحب المغيظ لا يسكن غيظه ولا يهدأ فوره؛ لأنه يحل العقدة الواحدة بطريقة تجعلها عقدتين، ولكن: أوليس خيراً لك إذا أنت دفعت إلى العداوة في الحب أن تستشعر بكرم الملك الذي في نفسك لؤم الحيوان الذي في صاحبك، فترجع بنفسك أنت إلى ملكيتها وترده هو إلى حيوانيته؟".


"الحب ليس شيئاً غير الجمع بين أعلى الصداقة وأسفلها؛ ألا ترى أنه ما دام الحبيبان على أسباب الرضا فكلاهما أو احدهما يتمثل الآخر كما يتمثل ملكاً من الملائكة، بل ويسميه الملك الحارس، أو الملك الوحي، أو الملك المقدس، فإذا صار إلى الخلاف واستحكم بينهما، لم يغن طلب المعاذير تتعزى بها الصداقة، ولا طلب العثرات تشتد بها العداوة؟ وليس للمغيظ منها شئ دون أن يعمد إلى تلك الصداقة فيجعل عاليها سافلها فلم يبق حينئذ إلا أن يكون صواب الحب في هذه الحالة قائماً على عكس الحالة الأولى؛ فما كان في صورة ملكية ليثبت عليها الحب وجب أن ينقلب إلى صورة حيوانية ليزول عنه الحب".

***

يا من أسكره الغرام، إن عربد حبك فاحطم كأسه وأرق خمرها ولا ترها إلا سُما؛ فإن أكبر البلاء على السكير أن يلبس الحقائق المهلكة أثواب زينتها، فيزعم بينه وبين نفسه أنه لا يشرب الخمر ولكنه ينقع غلة أحزانه بكأس من ماء السرور، ولا يتوحل في السكر ولكنه يستمطر على خموله سحابة من النشاط، ولا يتجرع الجنون ولكنه يذيب همومه في جرعة من النسيان.

ألا ما أصدق الخمر في السكير وهي صامته، وأكذب السكير على الخمر وهو يتكلم!.


* السحاب الأحمر - فصل الشيخ أحمد
مصطفى صادق الرافعي

هناك تعليق واحد:

:)